" قدامكوا ٥ دقايق توزعوا الحاجات دي...وقتنا محدود!"
سمعت خديجة و الفتاة التي لا تعرفها الجملة علي عجل غير مبالية و انتقلواإلي المكان المرجو و بدأوا سريعا في اللف حول الملائكة المُعذبة حولهم....
دخلت خديجة و رأت علي بوابة الغرفة فتاة،كانت من قبل جميلة و الآن ممصوصة و متآكلة من ما مرت به....فتاة تنفر من أمها و تجري منها و الوجع عنوانة عينتاها....
وانصرفت عنها خديجة لعدم تحملها عينتي الفتاة و جرت وراء تلك الفتاة بيري و هي تغرق في التيه و الضياع و تشهد مراحل التوجع أمامها في غرفة واحدة!!
تشبثت ببيري و بدأت تقول مثلها و هي توزع الآساور الملونة و تكرر ما تقولة بيري بالحرف!
"ربنا يشفيهولك-شفاه الله و عفاكِ-خير متقلقيش"
ثم فجأة هب المشرف كالعاصفة "إختصار للوقت كل وحدة توزع لوحدها ....ثم ابتسم ناهيا لشدته : و خلي بالك البنوتة اللي هناك دي خطيبتي....إديها أحلي غويشة عندك"
و انتلقت الفتاتان وتقاسما الغرفة سريعا فيما بينهم...
و تشجعت خديجة و لم تكترث بذلك المرض اللعين و سألت إحدي المرضي الصغار،الذي لم يبد عليه آثار الكيماوي القاتلة بعد،
"قلي بقي اسمك أيه و بتحب تلعب كرة صح؟ شكلك بيقول كده!!"
و ابتسم الطفل ابتسامة صغيرة تنم عن عدم توقعة و فرحته بالسؤال و كأن أخيرا وجد موضوعا يتحدث فيه غير ذلك الموضوع المظلم الذي طفأ حياته و حياة من حوله....
"اسمي محمد ....و بحب الكرة أوي!!"
"و بتلعب بقي يا محمد؟....صحيح قلي بتشجع نادي أيه؟
"لا مش بلعب بتفرج مع آبويا بس!! و بحب الأهلي أوي ! أنا أهلاوي"
و جاءت بيري لا تعلم خديجة من أين و شاركتهم تلك الفرحة الغير متوقعة و أخذت تحمس محمد للأهلي أكثر
"يا جماعة يلا لسه فيه كمان!"
أووف! لا أعلم من يأتي هذا المشرف!!
و افترقا الفتاتان ثانيا ....و أصبحا يدورا مثل النحل علي جميع المرضي....يشاهدوا بأعينهم مراحل المرض فيجدوا من مات و ذبل من العلاج و يجدوا من يصرخ و يؤلمهم بشدة...ويجدوا من لم يتآثر بعد و لم يدهسه قطار السرطان ....ثم استوقف خديجة فتي في مرحلة المراهقة يبدو في سنها...وجهه لا يخلو من الابتسامة رغم سقوط شعرة كله عن رآسة!! فكرت في الاتجاه إليه و لكن شعرت إن إعطاء ولد مثلة في هذا السن غويشه ملونة ،و هو مريض، ليس أمرا جيدا إطلاقا!...و خافت بداخلها أن يسخر منها أو تكون هي سبب في اختفاء ابتسامتة....ثم انتقل نظرها سريعا إلي فتاة بمثل سنها...ترتدي طرحة و محاطة بأهلها....كانت مبتسمة ووجها كالشمس..ظلت خديجة تتخيلها بعد ٤ أشهر و هذه المحاليل و الكيماويات تذبح كل ما هو حلو بها لحظة تلو الأخري....و فجأة طردت تلك الصورة من مخيلتها و اتجهت بدون تفكير للفتاة...."متقلقيش كلة هيبقي زي الفل إن شاء الله!! خدي دي هتعجبك ...شليها معاكِ و افتكرينا بقي!"
و طارت خديجة حينما رأت المشرف مرة أخري....طارت إلي الركن الذي يتآهب للسقوط ....ركنٍ ملئ بالوجوة المحتضرة....كم تمنت لو كان الآن لحظة إعلان شفائهم....تمنت أي شئ لتري ابتسامتهم!!! و مضت في دور مصطنع و ابتسامة لا طعم لها...."اتفضل...خليها معاك...بصي الألوان الحلوة دي!!....يارب تيجي مقاسك...ربنا هيشيفيهولك إن شاء الله....كله هيبقي زي الفل بإذن الله"
و لفت خديجة لتلتقي ببيري و يتآهبوا للخروج و نظرت للسلة الصغيرة في يدها فوجدت غويشة واحدة فقط ....و بدون ذرة تفكير....كانت في ثانية أمام الفتي ووجها مبتسما ابتسامة واسعة...."ممكن تآخدها....أنا عارفة هي مش هتعجبك بس خليها معاك و احتفظ بيها"
ورد و مازلت الابتسامة تغمر وجهه "هي حلوة بس أكيد غيري محتاجها،أنا مش هاعمل بيها حاجة"
"مفضلش إلا أنت اللي مخدتش، خدها احتفظ بيها"
و أعطته و همت تشكرة غير مصدقة و هي تري الفرحة الخفية في عينية و هي يخبئ تلك الغويشة في جيب كإنها شئ ثمين يخاف عليه...
و انطلقت تودع المكان و الأطفال بأعينها و هي تتمني من أعماق قلبها أن تأتي مرة أخري فتجد تلك الوجوة بنضرة و ابتسامات لا تنكسر.....
و خرجت مع بيري مبتسمة لها و تحاول أن تعرف اسمها و ثم سمعت أحدا ينطق اسمها "تمام يا بيري وزعتوا؟" ....
و أخذت تفكر كم حبت بيري التي لا تعرفها في تلك ال١٠ دقائق كم و تمنت أن تكون في شجاعتها و تحميسها و تآثرها!!
كم كانت تجربة قاسية و فرحة....كم علمت أن الدنيا صغيرة و أن لا شئٍ يسوي....كم وعيت علي تلك المعارك الخفية مع ذلك المرض المقزز!!
تخيلت كثيرا تلك القوة الممنوحة للالأطفال الصغيرة التي لا تعرف شيئا عن تلك الدنيا القاسية ....تخيلت قوة تحملهم لذلك الشيء المزعج كل يوم و علي مدار شهور و أحيانا سنوات!!
يارب! من يتحمل كل هذا!
و ظلت تدعو في نفسها "رحمتك بيهم يارب و عجل بظهور العلاج....فرح أهاليهم يارب و جازيهم كل خير عن الوجع ده!"
كم توجعت من الأحلام و الآمال المتلاشية و الأرواح المنكسرة....كم خرجت تلك اليوم و كل ما يشغل كيانها هو" كيفية التخلص من تلك المرض اللعين بدون أدني أضرار؟"
بضعة دقائق لا مثيل لهم ....محفورين في ذاكرتها لا يتلاشوا أبدا...و لن يتلاشوا حتي تحدث معجزة ما و يصبح تلك المرض كالإنفلونزا!!
مر علي تلك الزيارة حوالي شهر....و خديجة تتسأل هل مازالوا في حروبهم أم هناك من لم يتحمل و رحل ....وجوة لم تخالطها إلا لدقائق و لكن كم توجعت عندما تخيلت رحيلهم.....
إدعوا لكل النفوس المتآلمة اللي منعرفش عنها حاجة ولا عمرنا هنحس بذرة من اللي بيحسوا بيه....أشكروا ربنا و كونوا في حالة رضا دايما...صدقوني إحنا في نعمة!!
**دعاء لمرضي السرطان و أي أمراض مزمنة و نفوس تتآلم:
لا إله الا الله الحليم الكريم .. لا اله الا الله العلي العظيم ..
لا إله الا الله رب السماوات السبع و رب العرش العظيم ..
لا إله إلا الله وحده لا شريك له ..
له الملك .. و له الحمد و هو على كل شيء قدير ..
الحمد لله الذي لا إله إلا هو .. و هو للحمد أهل .. و هو على كل شيء قدير ..
و سبحان الله .. و لا إله إلا الله .. و الله أكبر .. و لا حول و لا قوة إلا بالله ..
إلهي ..
أذهب البأس رب الناس ، اشف و أنت الشافي ، لا شفاء إلا شفاؤك ، شفاءً لا يغادر سقماً ..
إلهي ..
أذهب البأس رب الناس ، بيدك الشفاء ، لا كاشف له إلا أنت .. يارب العالمين آمين ..
إلهي ..
إني أسألك من عظيم لطفك وكرمك و سترك الجميل أن تشفيه و تمده بالصحة و العافية ..
إلهي ..
لا ملجأ و لا منجا منك إلا إليك .. إنك على كل شيء قدير ..
((ربى إنى مسنى الضُر و أنت أرحم الراحمين ))
اللهم اشفه شفاء ليس بعده سقما ابدا..اللهم خذ بيده اللهم احرسه بعينيك التى لا تنام .
و اكفه بركنك الذى لا يرام و احفظه بعزك الذى لا يُضام .و اكلأه فى الليل و فى النهار .
و ارحمه بقدرتك عليه ّ.أنت ثقته و رجائه يا كاشف الهم . يا مُفرج الكرب يا مُجيب دعوة
المُضطرين .اللهم البسه ثوب الصحة والعافية عاجلا غير اجلا ياأرحم الراحمين..
اللهم اشفه اللهم اشفه اللهم اشفه..اللهم امين
-صورة من مدخل مستشفي ٥٧٣٥٧

